يحيى بن معاذ الرازي
142
جواهر التصوف
205 - « من رأى غير المحبوب فما رأى المحبوب » وهذه العبارة حول معنى الحكمتين السابقتين أي أنه محجوب عن مولاه من نظر إلى سواه ، لأن كل ما خلاه باطل ، وكل ما عداه فان وزائل ؛ ويحكى أن رجلا رأى امرأة جميلة ، فانشغل بها قلبه أيما انشغال ، فتقدم إليها مغازلا : كلى بك مشغول . فقالت له : إن كان كلك بكلى مشغول ، فكلى لك مبذول . . ولكن لي أخت لو رأيت حسنها وجمالها أخشى أن تنسانى ويتحول قلبك إليها ولا تذكرنى . . فقال : أين هي ؟ . . فقالت هي وراءك . . فنظر خلفه ، فلطمته على قفاه وقالت : يا كذاب ، لو كنت صادقا فيما قلت عن حبك لي لم تلتفت إلى غيرى . * * * 206 - « محبوب اليوم يعقب المكروة غدا ، ومكروه اليوم يعقبه المحبوب غدا » . * إن اللّعب واللّهو تعشقه النفوس وتميل إليه بغريزتها بخلاف الأمور الجادّة . . ومنها سماع العظات ؛ فهي إن أقبلت عليها ، سرعان ما يصيبها الضّجر ويعتريها الملل ، وقد راعى معلّمنا ورسولنا صلى اللّه عليه وسلم هذا في تعليمه لصحابته رضوان اللّه عليهم ، يروى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه قال : « كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة في الأيام ( أي يراعى الأوقات في تذكيرنا ) كراهة السآمة علينا » . والدنيا - كما نعتها باريها جل شأنه : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ . . . . [ الحديد : 20 ] . ولذا كانت موضع حبهم ومحل تنافسهم ، ولكن عمرها قصير كعمر الزهور ، ثم يعقبها حساب وجزاء . . والدنيا والآخرة ضرتان ، متى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى ، ونعود إلى تتمة الآية الكريمة في وصف الدنيا : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ الحديد : 20 ] . فلينظر العبد أيهما أولى بحبه ، قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] . * * * 207 - « لا تجعل الزّهد حرفتك لتكسب بها الدنيا ، ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة ، وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك ، فاصرف أمرهم على الخرافات » [ الحلية : 57 ] . * « إنما الأعمال بالنّيّات ، وإنما لكلّ امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته